الوسط الحقوقي في العراق يفجع باغتيال ينار محمد ومخاوف من عودة  موجة جديدة من الاغتيالات لشوارع العراق

عابر – العراق

في صباح اليوم الإثنين، فجعت  الحركة النسوية العراقية برحيل واحدة من أبرز قياداتها، بعدما اغتيلت رئيسة منظمة حرية المرأة في العراق ينار محمد، بهجوم مسلح أمام منزلها في منطقة البنوك بالعاصمة بغداد، وفق مصادر محلية، إذ قام “مسلحان يستقلان دراجة نارية” بإطلاق النار عليها، ما أدى إلى وفاتها على الفور، في حادثة صدمت المجتمع المدني وأثارت مخاوف واسعة من عودة مسلسل اغتيالات الحقوقيين والناشطين في العراق.

وأكدت منظمة حرية المرأة في العراق في بيان رسمي أن هذا الحادث يمثل استهدافا مباشرا للنضال النسوي وقيم الحرية والمساواة، مشيرة إلى أن ينار محمد كرست حياتها للدفاع عن النساء المعنفات والناجيات من العنف، وأسهمت في تأسيس وإدارة بيوت آمنة احتضنت مئات النساء.

وأضاف البيان: “بيوت الأمان ستبقى مفتوحة، وصوت المنظمة سيظل عاليا دفاعا عن النساء وحقهن في الحياة الكريمة والآمنة”.

نمط معتاد!

الناشطة أنسام سلمان رئيسة منظمة “إيسن” لحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، تقول لعابر إن اغتيال ينار محمد يعكس نمطا كلاسيكيا لاغتيال الشخصيات الحقوقية في العراق، معتبرة أن هذا الأسلوب من الاستهداف ليس جديد، بل هو امتداد لأساليب معروفة في التخلص ممن يعتبرون “غير مرغوب فيهم” عبر إطلاق النار عليهم وتصفيتهم، وبخاصة النساء اللواتي يحملن خطابا حقوقيا ونسويا داعما للمجتمع.

وأكدت سلمان أن خبر مقتل ينار أثر في نفسها شخصيا، وشكل الخبر الذي شاهدته صدفة عبر منصة فيسبوك، وظنت أنه مجرد شائعة قبل أن تتأكد من فداحته شكل لديها صدمة حقيقة، إذ أن الحادثة زرعت لديها رهبة غير مسبوقة وشعورا بانعدام الأمان، خصوصا وأنها ناشطة بارزة معتادة على العمل في بيئات صعبة ومحاطة “بالمليشيات”.

ولفتت إلى وجود دعوات متكررة لها بالتهدئة والابتعاد مؤقتا عن النشاط العلني حفاظا على أمانها الشخصي، لكنها رفضت تلك النصائح، معتبرة أن الصمت في مواجهة هذا النوع من العنف يعني خيانة للقضية التي تحملها في الدفاع عن حقوق المرأة، “لا يمكنني أن أبتعد عن الحديث والمناصرة والتنديد، لأنها جزء لا يتجزأ من شخصيتي في الدفاع عن النساء”.

وربطت سلمان الاستهداف للناشطات باستمرار الإفلات من العقاب في العراق، معتبرة أن الأوضاع الأمنية المضطربة والحرب القائمة التي جعلت العراق جزء منها تستغل لاستمرار تصفية الناشطين، وأن هذا المسار لا يعكس مجرد حالة فردية بل مؤشرا خطرا على من يعملون في المجال الحقوقي، خاصة النسوي.

كما حملت الجهات السياسية الحاكمة جزءا من المسؤولية، معتبرة أن تقاعس الدولة عن تشريع قوانين تحمي الحقوقيين، وعدم وجود آليات واضحة لصيانة سلامتهم، فضلاً عن رفع دعاوى قضائية ضد ناشطين وصحفيين، كلها عوامل عززت مناخ الخوف وعدم الأمان، مطالبة بضرورة إنهاء ملف السلاح المنفلت في العراق وفتح تحقيقات جدية في حالات اغتيال الناشطين السابقة، وتقديم المتورطين للمساءلة القانونية، وبدعم من المجتمع الدولي لضمان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان.

استهداف  للمرأة والمجتمع المدني

من جانبها، أكدت الحقوقية أزهار الدليمي، رئيسة منظمة “الأسل” لتمكين المرأة والطفل، أن حادثة اغتيال ينار محمد لم تكن مجرد حدث فردي، بل استهدافا مباشرا لكل من يعمل في خدمة المجتمع والمرأة العراقية.

وقالت الدليمي في حديثها لـ”عابر” إنها تلقت الخبر عبر مجموعة “شبكة النساء العراقيات” التي تنشط ضمن فضاء حقوق الإنسان، ورأت أن استهداف شخصية نسوية ناشطة مثل ينار يشير إلى عمق التهديد الذي يواجهه الحقوقيون في العراق.

وبررت أن العمل في المجالات المجتمعية، لا سيما دعم النساء المتضررات من العنف والعوز، هو ما جعل بعض القوى ترى في الناشطة رمزا مرفوضا أو معرضا للخطر، معتبرة أن حادثة الاغتيال ليست مجرد إساءة لفرد، بل ضربة معنوية للمجتمع المدني بأكمله.

وأكدت الدليمي على أن الحادثة لن تؤثر على استمرار نشاط منظمتها في دعم النساء المعنفات والأرامل والمطلقات، لكنها تركت أثرا نفسيا عميقا داخل صفوف فريقها، مشددة على أن مسؤولية حماية الناشطات والحقوقيات تقع على عاتق السلطة والدولة، التي لم تتخذ إجراءات فعلية لحمايته بحسب قولها.

وترى أن أي اغتيال لا يمكن أن يحدث دون موافقة أو غطاء من جهات عليا، معتبرة أن استهداف الحقوقيين نساء ورجالا يأتي في سياق هجمة أوسع تستهدف قيم العدالة والمساواة، مؤكدة ضرورة كشف الجهات الحقيقية الداعمة لمثل هذه الجرائم ومحاسبتها.

فتح تحقيق عاجل

وفي ذات السياق أعلنت وزارة الداخلية العراقية في بيان رسمي لها اليوم، أن وزير الداخلية عبد الأمير الشمري وجه بتشكيل فريق تحقيق متخصص لمعرفة ملابسات الحادث، مع جمع الأدلة وتحديد هوية الجناة، والعمل على تقديمهم للعدالة وفق القانون.

وأكدت الوزارة أن الحادثة تحظى بمتابعة مباشرة من الوزير، وأن الأجهزة الأمنية باشرت إجراءاتها الميدانية، مع وعد بموافاة الرأي العام بالتفاصيل حال اكتمال التحقيق. إلا أنه حتى الآن لم تصدر معلومات إضافية رسمية عن هوية المشتبه بهم أو التقدم في التحقيق.

الإفلات من العقاب مستمر

تشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن السلطات العراقية لم تنجح في حماية الحقوقيين والناشطين أو محاسبة من استهدفهم باغتيالات واعتداءات مسلحة خلال السنوات الماضية. موضحة أن اللجان الرسمية التي شكلتها الحكومات للتحقيق في هذه الجرائم لم تصدر نتائج ملموسة، ولم تعلن أسماء المتورطين أو تقدمهم للمحاكمة، مما يعكس استمرار مناخ الإفلات من العقاب وضعف الشفافية والإرادة السياسية في معالجة هذه القضايا.

وبحسب بيانات حقوقية، بينما لا توجد أرقام رسمية حديثة حتى عام 2025–2026 عن عدد الحقوقيين والناشطين الذين استهدفوا باغتيالات، فتشير تقارير سابقة إلى مئات الضحايا من الناشطين والصحفيين خلال السنوات الماضية التي تلت احتجاجات تشرين الاول لعام 2019، مع عشرات حالات الاستهداف المباشر، وهو ما يعكس استمرار المخاطر وغياب الحماية القانونية الكافية للمدافعين عن حقوق الإنسان في العراق.