الخميس، 22 أكتوبر 2026
صحافة لأجل الانسان
قدّم تحقيقك
في العمق الأردن

النقابة تحمي الصفة في الأردن.. فمن يحمي الصحفيين خارجها؟ 

بينما يحاول خريجو الإعلام شق طريقهم إلى مهنة تضيق مساحاتها يومًا بعد آخر، يجد الصحفيون الأردنيون غير المنتسبين إلى النقابة أنفسهم أمام قيود إضافية تفرضها قرارات نقابية متتالية. 

وقرارات المجلس المنتخب منذ عام ونصف، التي تأتي في إطار تنظيم المهنة والانتساب إليها، لا تتوقف آثارها عند حدود أعضاء النقابة، بل تمتد إلى صحفيين يمارسون العمل من خارجها، وتضعهم أمام أسئلة متزايدة حول حقهم في ممارسة المهنة وحدود الحماية القانونية التي يتمتعون بها.

ففي بيان حديث صدر في الأول من أغسطس (آب)، أكدت لجنة حماية المهنة في نقابة الصحفيين الأردنيين أن الصفة الصحفية “مركز قانوني تحكمه شروط وإجراءات نص عليها القانون”، محذرة من ممارسة العمل الصحفي أو تقديم النفس بصفة صحفي دون سند قانوني، ومعلنة متابعة حالات “انتحال الصفة الصحفية” واستخدام الألقاب أو الصفات التي توحي بها دون سند قانوني.

واستندت اللجنة إلى المادتين (10) من قانون المطبوعات والنشر و(18) من قانون نقابة الصحفيين، ودعت من يمارسون أعمالًا صحفية أو يستخدمون صفات صحفية دون استكمال المتطلبات القانونية إلى تصويب أوضاعهم وفق القانون تجنبًا للمساءلة وما يترتب عليها من آثار قانونية. 

قيود تطارد الصحفيين 

دفعت قرارات النقابة الأخيرة علا خالد الحاصلة على ماجستير في الإعلام، ولديها 11 عامًا من الخبرة، إلى تجميد تحقيقات كانت تستعد للعمل عليها بشأن قضايا داخلية لصالح جهة صحفية عربية، خشية التعرض لملاحقة قانونية، والاتجاه بدلًا من ذلك إلى إنتاج البرامج والنشرات والتقارير الموجهة إلى خارج الأردن، خصوصًا العراق وليبيا. 

تقول خالد لـ”عابر”: “إن عدم الانتساب إلى النقابة أصبح ذريعة تستخدمها بعض الوزارات والمؤسسات الرسمية لرفض التعامل معي، خصوصًا أثناء العمل على التحقيقات الاستقصائية”.

وترى أن الجهات الرسمية تتحفظ أصلًا على التعامل مع الصحفيين الذين يعملون على تحقيقات استقصائية، لكن عدم الانتساب يوفر مبررًا إضافيًا لرفض تزويد الصحفي بالمعلومات أو التعامل معه، وهو مبرر لا يكون متاحًا بالقدر نفسه عندما يكون الصحفي منتسبًا إلى النقابة.

كما تشير إلى أن عدم عملها في مؤسسة صحفية أردنية يصعّب دخولها إلى كثير من المؤسسات وتغطية الفعاليات، وهي مشكلة واجهتها حتى أثناء عملها مع قنوات عربية مرخصة في الأردن.

ومع القرارات الأخيرة تقول: “إن الاستمرار في الصحافة داخل الأردن أصبح أكثر صعوبة، لذلك اتجنب حاليًا تناول الشأن المحلي، وقد ألجأ إلى استخدام اسم مستعار إذا قررت نشر مادة داخلية، تفاديًا لأي تبعات قانونية”.

ورغم تمسكها بعدم ترك المهنة، توضح خالد أنها تشعر بالندم على اختيار الصحافة، منتقدة محدودية فرص خريجي الإعلام وغياب معالجة واضحة لأوضاع الصحفيين غير المنتسبين، مؤكدة ضرورة التمييز بين الصحفي غير المنتسب ومن يدخلون المجال دون تأهيل أو خبرة، معتبرة أن القضية في هذه الحالة تتعلق بالفرص أكثر من الكفاءة.

المعلومة ليست حكرًا 

ولا تقتصر تداعيات هذه القرارات، بحسب العاملين خارج مظلة النقابة، على صعوبات فردية، بل تفتح نقاشًا أوسع حول موقع الصحفي المستقل في المشهد الإعلامي الأردني. 

إذ يقول الصحفي الحقوقي المستقل محمد شما، الذي يعمل في الصحافة منذ أكثر من 20 عامًا لـ”عابر”: إن حديث النقابة عن تنظيم المهنة ومواجهة المسيئين والدخلاء عليها ليس جديدًا، لكن السؤال، هو ما إذا كانت هذه الرؤية تشمل الصحفيين المستقلين الذين يعملون لحساب منصات ومؤسسات صحفية عربية، ويغطون شؤونًا محلية خارج إطار المؤسسات الأردنية التقليدية. 

ويرى أن اتساع المشهد الإعلامي وتعدد أشكال العمل الصحفي يفرضان النظر إلى هذه الفئة ضمن أي تنظيم للمهنة.

ويؤكد شما على أن من حق النقابة الدعوة إلى الالتزام بأخلاقيات المهنة وقواعدها، لكنه يتساءل عمن يملك حق الوصول إلى المعلومات ونشرها، معتبرًا أن هذا الحق لا يمكن أن يكون حكرًا على النقابة وأعضائها، لا سيما في ظل وسائل التواصل الاجتماعي واتساع مساحة العمل الصحفي المستقل.

ويشير إلى أن القيود التي تواجه الصحفيين لا تتعلق بعضوية النقابة وحدها، إذ يطال أثر قوانين الجرائم الإلكترونية والمطبوعات والنشر وضمان حق الحصول على المعلومات وعمل هيئة الإعلام الصحفيين عمومًا، أعضاء وغير أعضاء، معتبرًا أن هذه المنظومة تشكل عوائق أمام العمل الصحفي والوصول إلى المعلومات ونشرها.

أما عن الخطر المهني على الصحفيين خارج مظلة النقابة، فيرى شما أنه لا يرتبط بعدم العضوية بحد ذاته، مشيرًا إلى وجود صحفيين مستقلين أمضوا أكثر من 20 عامًا في المهنة دون عضوية في النقابة، وقدموا مواد صحفية وصفها بأنها من أفضل إنتاجات الإعلام في الأردن.

مظلة الانتساب ضيقة ومشروطة 

لا تتوقف مشكلة عدد من العاملين في الإعلام عند عدم الانتساب إلى نقابة الصحفيين، بل تبدأ أحيانًا من الشروط التي تحدد أصلًا من يحق له الانتساب. فالقانون يربط العضوية بممارسة الصحافة كمهنة والتفرغ لها والعمل لدى مؤسسة صحفية أو إعلامية مرخصة في الأردن، ما يترك خارج مظلة النقابة فئات تعمل في إنتاج المحتوى الصحفي، لكن ضمن مؤسسات أو جهات لا تنطبق عليها شروط الانتساب.

وتشمل هذه الحالات العاملين في المطبوعات التابعة لمؤسسات المجتمع المدني أو النقابات والأحزاب والجامعات وغيرها من الجهات التي تصدر مطبوعات، إضافة إلى فئات من العاملين في الإذاعات والتلفزيونات ممن تتركز مهامهم في إعداد البرامج أو مراسلتها أو إنتاج التقارير والمواد الوثائقية، في وقت ترتبط العضوية بالعمل في المجالات الأقرب إلى الأخبار والتحرير.

وبذلك، لا يرتبط الوصول إلى عضوية النقابة بالمؤهل أو ممارسة العمل الصحفي وحدهما، وإنما أيضًا بطبيعة المؤسسة التي يعمل فيها الصحفي وطبيعة المهام التي يؤديها، وهو ما يضع بعض الممارسين أمام فجوة بين عملهم الفعلي في الصحافة وإمكانية الاعتراف بهم كصحفيين منتسبين للنقابة.

ورغم أن قانون نقابة الصحفيين الأردنيين قد تم تعديله عام 2014 ليشمل العاملين بالمواقع الإلكترونية، إلا أنه تبع مرحلة متضاربة من تعديل قانون المطبوعات والنشر في عام 2012، والذي أتاحت تعديلاته للسلطات توسيع رقابتها على المحتوى الرقمي، فقد حجبت مئات المواقع خلال السنوات الماضية، كما جاء قانون الجرائم الإلكترونية الجديد، الذي أقر في آب 2023، ليمنح الحكومة أدوات إضافية لتقييد حرية التعبير، تحت ذرائع مثل مكافحة “الأخبار الكاذبة” أو “تقويض الوحدة الوطنية”، ويشير التقرير إلى أن هذا الإطار القانوني يدفع العديد من الصحفيين إلى ممارسة رقابة ذاتية صارمة خوفا من الملاحقة القضائية، وفقا “لمراسلون بلا حدود”.

وفي وقت سابق، عمّم رئيس الوزراء جعفر حسان على الوزارات والمؤسسات والدوائر الحكومية عدم التعاون مع غير أعضاء نقابة الصحفيين أو دعوتهم واصطحابهم لتغطية المناسبات واللقاءات والزيارات الرسمية، وحصر التغطية الإعلامية بأعضاء النقابة والعاملين في المؤسسات الإعلامية والصحفية المرخصة. 

نقابة لا تتسع لكل الصحفيين 

في أحدث تصنيف لمنظمة “مراسلون بلا حدود” لحرية الصحافة لعام 2026، جاء الأردن في المرتبة 142 من أصل 180 دولة، متقدمًا خمسة مراكز عن العام السابق، إلا أن هذا التحسن في الترتيب لا يعني تجاوز القيود التي ما تزال تواجه حرية الصحافة؛ إذ تشير المنظمة إلى استمرار القيود على حرية الصحافة، والرقابة الذاتية لدى العاملين في الإعلام، إلى جانب الخطوط الحمراء غير المعلنة المرتبطة ببعض الموضوعات. 

بحسب تقديرات النقابة يبلغ عدد الأعضاء المسجلين 1.375 عضوا، منهم 1.075 يحق لهم التصويت، فيما تشير التقديرات إلى وجود نحو 550 صحفيا يمارسون العمل خارج النقابة، مما يعادل نحو 33 في المئة من الجسم الصحفي، وفقا لتقديرات مركز حماية وحرية الصحفيين.

وتبقى شروط الانتساب، ومنها “كتاب التعيين” ورقم الضمان الاجتماعي، سببا رئيسيا في اتساع الفجوة بين النقابة وجزء كبير من الصحفيين الجدد، رغم تعديل قانون النقابة عام 2014 ليشمل العاملين بالمواقع الإلكترونية.

مخاطر قانونية أكبر

من جانبه يوضح المحامي والمدرس في التشريعات الإعلامية الدكتور صخر الخصاونة لـ”عابر”، أن ممارسة العمل الصحفي دون استيفاء شروط الانتساب المنصوص عليها في قانون نقابة الصحفيين وقانون المطبوعات والنشر قد تشكل مخالفة قانونية، وأن الصحفي غير المنتسب قد يخضع، بحسب طبيعة العمل ووسيلة النشر، لأحكام قانون الجرائم الإلكترونية، ولا يستفيد بالضرورة من الأحكام الخاصة الواردة في قانون المطبوعات والنشر. 

ويشير إلى أن المسؤولية والعقوبات تختلف تبعًا لطبيعة المحتوى والفعل محل الشكوى؛ فالمادة (15) من قانون الجرائم الإلكترونية تتعلق بالذم والقدح والتحقير المرتكب باستخدام الشبكة المعلوماتية، وتفرض في الحالات التي تنطبق عليها أحكامها الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وغرامة لا تقل عن 20 ألف دينار (28,208 دولار)  ولا تزيد على 40 ألف دينار (56,417 دولار)، فيما تتناول المادة (16) أفعالًا متعلقة بانتهاك الخصوصية، وتجرّم المادة (17) نشر أو إعادة نشر أو تداول أخبار كاذبة في الحالات التي حددها القانون، مع عقوبات تشمل الحبس والغرامة. وقد تترتب، إلى جانب المسؤولية الجزائية، مسؤولية مدنية ومطالبات بالتعويض بحسب الضرر والفعل المرتكب.

ويرى الخصاونة أن هناك فرقًا قانونيًا بين العمل لدى مؤسسة إعلامية مرخصة والعمل الصحفي المستقل؛ ففي الحالة الأولى تتوزع المسؤولية عن المحتوى وفق الأحكام الناظمة للنشر ودور رئيس التحرير والمدير المسؤول، بينما يتحمل الصحفي المستقل مسؤولية ما ينشره بصورة مباشرة، وقد يخضع المحتوى المنشور عبر منصاته الشخصية أو وسائل النشر الإلكترونية لأحكام قانون الجرائم الإلكترونية بحسب الحالة.

كما يضيف أن العمل تحت مظلة مؤسسة إعلامية مرخصة يوفر إطارًا مهنيًا وقانونيًا أوضح، بما في ذلك ما قد توفره المؤسسة من بطاقات أو كتب تسهيل مهمة وفق الأصول، في حين يواجه الصحفي المستقل صعوبات أكبر في التغطية الميدانية والوصول إلى المصادر والمؤسسات.

ولممارسة نشاط إعلامي دون الانتساب إلى النقابة، ينصح الخصاونة بعدم تقديم الشخص نفسه بصفة “صحفي” أو استخدام هذه الصفة في حساباته أو بطاقاته، واستخدام مسميات تتناسب مع طبيعة عمله، مثل “كاتب أو مدون أو صانع محتوى أو مصور”، مع العمل، قدر الإمكان، تحت مظلة مؤسسة إعلامية مرخصة وعلاقة عمل واضحة.

بانتظار الرد

تواصلت “عابر” مع نقابة الصحفيين الأردنيين عبر البريد الإلكتروني، وطلبت توضيح موقفها بشأن القرارات الأخيرة وانعكاسها على الصحفيين غير المنتسبين، إلا أنه وحتى موعد نشر هذا التقرير، لم ترد النقابة على الاستفسارات المرسلة.