المدنيون في قلب الحرب أطفال ومدارس وأحياء سكنية بين ضحايا الضربات في إيران

عابر – إيران

“لم نتمكن من التعرف عليها إلا من خلال حقيبتها المدرسية التي كانت لا تزال معها… لقد احترقت بالكامل!”، بهذه الكلمات يروي والد إحدى الطالبات ما حدث لابنته بعد الضربتين اللتين استهدفتا مدرسة “شجرة طيبة” الابتدائية للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران.

فاتصلت المدرسة بالأب بعد الضربة الأولى وطلبت منه الحضور بسرعة لأخذ ابنته إلى المنزل، بعدما نجت من القصف الأول ونقلت مع بقية الطالبات إلى قاعة الصلاة داخل المبنى، لكن قبل أن يصل إليها، جاءت الضربة الثانية على المكان نفسه، ما أدى لمقتلها.

قصة هذه الطفلة ليست سوى واحدة من عشرات القصص التي بدأت تظهر مع اتساع العمليات العسكرية التي شهدتها إيران منذ أواخر فبراير/شباط 2026، حيث تتكشف تدريجيا صورة إنسانية ثقيلة للحرب تتجاوز الأهداف العسكرية التي أعلنتها أطراف الصراع.

فمع كل يوم من القصف، تظهر تقارير حقوقية وإنسانية عن ضحايا مدنيين سقطوا في الأحياء السكنية والمدارس والمرافق المدنية في مدن مختلفة داخل البلاد.

حصيلة ثقيلة للضحايا المدنيين

ما تزال الحصيلة الدقيقة للضحايا المدنيين محل اختلاف بين المصادر المختلفة، إذ يصعب التحقق من كل الضربات في ظل استمرار العمليات العسكرية، إلا أن وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان في إيران (HRANA)، وهي منظمة حقوقية توثق الانتهاكات داخل البلاد، تشير إلى أن عدد القتلى المدنيين بلغ ما لا يقل عن 1168 مدنيا منذ بداية الضربات في 28 فبراير/شباط 2026، بينهم 194 طفلا.

وتوضح المنظمة أن هذه الأرقام تستند إلى توثيق ميداني وتقارير محلية، لكنها تبقى حصيلة أولية قابلة للارتفاع مع استمرار التحقيق في الضربات وتحديد هوية الضحايا.

في المقابل، قالت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة إن عدد القتلى المدنيين بلغ 1332 شخصا، بينهم مئات الأطفال، إضافة إلى آلاف المصابين.

ويشير خبراء في توثيق النزاعات إلى أن اختلاف الأرقام بين المصادر غالبا ما يعكس اختلاف منهجيات التوثيق وصعوبة الوصول إلى جميع المواقع المتضررة في وقت قصير، لكن رغم هذا التباين تتفق معظم التقارير على أن الخسائر بين المدنيين كانت كبيرة خلال الأيام الأولى من الحرب.

مدن تحت القصف

تشير بيانات (HRANA)  إلى أن الضربات العسكرية سجلت في19 محافظة إيرانية على الأقل خلال الأيام الأولى من الحرب، مع عشرات المواقع التي تعرضت للقصف أو الأضرار نتيجة الانفجارات القريبة، كما أظهرت مقاطع فيديو وصور نشرتها وسائل إعلام دولية ولقطات متداولة من داخل إيران مباني متضررة وركاما في بعض المناطق بعد الضربات الجوية، بينما ظهرت سيارات متضررة وأعمدة دخان تتصاعد من مواقع القصف، في مشاهد وثقتها تقارير مصورة من مدن بينها طهران.

كما أفادت تقارير إغاثية بأن الضربات العسكرية تسببت في أضرار واسعة بالبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المنازل والمنشآت التجارية، فوفق بيانات الهلال الأحمر الإيراني، تضررت آلاف الوحدات السكنية في مناطق مختلفة من البلاد، ما أدى إلى نزوح ما لا يقل عن نصف مليون مدني من منازلهم في بعض المدن المتضررة.

خوف وقلق تحت القصف

في ظل استمرار الضربات الجوية على مناطق متعددة داخل إيران، عبر المدنيون عن شعورهم بالخوف والقلق وعدم اليقين، فيما تكشف شهاداتهم عن حجم التأثير النفسي والاجتماعي للصراع.

وفي مدينة أورميا القريبة من الحدود التركية العراقية، قالت امرأة رفضت الكشف عن هويتها إن الضربات التي وقعت كانت الأعنف حتى الآن: “كنت خائفة لا يوجد ملاجئ لا مساعدة إنهم يقصفون في كل مكان”، مشيرة إلى أن الإنترنت ينقطع ويعود بشكل متكرر، مما يزيد من شعور الانقطاع وعدم الاستقرار.

وأضافت “نحن نقوم بتخزين الطعام”، على الرغم من استمرار توفر بعض السلع الأساسية مثل الغذاء والدواء في المتاجر، فإنها وغيرهم يشعرون بالقلق من أن الإمدادات قد تبدأ في النفاد إذا طال أمد الصراع، وأن الناس بدأوا بشراء السلع بشكل مكثّف تحسبًا لأي اضطراب مستقبلي.

الأطفال بين أكثر الفئات تضررا

تشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) إلى أن الأطفال كانوا من بين الفئات الأكثر تأثرا بالتصعيد العسكري في إيران، ففي بيان صدر عنها في مارس/آذار 2026، قالت المنظمة إن نحو 180 طفلا قتلوا خلال التصعيد العسكري، إضافة إلى إصابة عدد أكبر، وهذه الأرقام تعكس التأثير المباشر للنزاعات المسلحة على الأطفال، خاصة عندما تقع الهجمات في مناطق مأهولة بالسكان.

وأضافت يونيسف أن هذه الخسائر تمثل تذكيرا مؤلما بما وصفته بـ”الوحشية التي تقاس فيها الحروب بحياة الأطفال وعائلاتهم”.

المدارس ضمن المنشآت المتضررة

من بين المنشآت المدنية التي تعرضت للقصف أو الأضرار خلال الحرب، المدارس، فقد أفادت تقارير إنسانية بأن عددا من المدارس في إيران تعرض لأضرار نتيجة الضربات الجوية أو الانفجارات القريبة.

وبحسب بيانات يونيسف، تعرض ما لا يقل عن 20 مدرسة و10 مستشفيات لأضرار نتيجة الضربات العسكرية، ما أثر على الخدمات الأساسية للأطفال والعائلات، محذرة من أن تدمير المدارس والمرافق الصحية لا يقتصر تأثيره على الضحايا المباشرين، بل يهدد أيضا إمكانية حصول الأطفال على التعليم والرعاية الصحية في المناطق المتضررة.

كانت إحدى أكثر الحوادث التي لفتت الانتباه إلى الكلفة الإنسانية للحرب كانت الضربة التي استهدفت مدرسة “شجرة طيبة” الابتدائية للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران، ففي 28 فبراير/شباط 2026، أصاب صاروخ المدرسة أثناء الدوام المدرسي ما أدى الهجوم إلى مقتل 168 فتاة، معظمهن بين سن السابعة والثانية عشرة.

كما أشارت اليونيسيف إلى مقتل12 طفل آخرين في مدارس مختلفة في مناطق أخرى داخل إيران خلال الأيام الأولى من الحرب، ما أثار موجة إدانات واسعة من منظمات دولية ومسؤولين أمميين.

صور من موقع الهجوم

الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت من موقع الهجوم في ميناب أظهرت حجم الدمار الذي لحق بالمبنى المدرسي، ففي بعض المقاطع تظهر فرق الإنقاذ وهي تبحث بين الأنقاض بينما كانت الحقائب المدرسية والدفاتر مبعثرة بين الركام.

فيما أظهرت صور أخرى مراسم دفن جماعية لعدد من الطالبات، في مشهد أثار موجة واسعة من التفاعل والغضب على منصات التواصل الاجتماعي.

دعوات للتحقيق وإدانة أممية

أثارت الضربات التي طالت المدارس تساؤلات قانونية واسعة حول مدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، فقد دعت منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) إلى إجراء تحقيق مستقل في الضربة التي أصابت المدرسة في ميناب.

وقالت المنظمة إن استهداف منشأة مدنية مثل مدرسة، خصوصا خلال ساعات الدراسة، يثير تساؤلات خطيرة حول الامتثال لمبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، داعية إلى ضرورة التحقيق في ما إذا كانت القوات التي نفذت الضربة قد اتخذت الاحتياطات اللازمة لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين.

أدانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO) الهجوم الذي طال المدرسة في ميناب، مؤكدة أن المؤسسات التعليمية تعد أماكن محمية بموجب القانون الدولي، وقالت إن استهداف المدارس يعرض حياة الطلاب والمعلمين للخطر ويقوض الحق في التعليم، كما دعا خبراء في الأمم المتحدة إلى ضرورة احترام قواعد القانون الدولي الإنساني خلال العمليات العسكرية، خصوصًا تلك المتعلقة بحماية المدنيين والمنشآت المدنية.

القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين

ينص القانون الدولي الإنساني على مجموعة من القواعد التي تهدف إلى حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة ومن أهم هذه القواعد التمييز بين المدنيين والمقاتلين، حظر استهداف المنشآت المدنية مثل المدارس والمستشفيات، اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الأضرار الجانبية.

كما يصنف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الهجمات المتعمدة على المنشآت التعليمية غير العسكرية ضمن جرائم الحرب.

ويؤكد خبراء القانون الدولي أن أي هجوم يؤدي إلى خسائر واسعة بين المدنيين قد يخضع للتحقيق لتحديد ما إذا كان يتوافق مع قواعد القانون الدولي الإنساني.

المدنيون يدفعون الثمن

مع استمرار العمليات العسكرية، تحذر منظمات إنسانية من أن ارتفاع عدد الضحايا المدنيين قد يستمر إذا استمرت الضربات في المناطق المأهولة بالسكان.

وفي إيران اليوم، كما في نزاعات أخرى حول العالم، تظهر الحرب مرة أخرى أن الأحياء السكنية والمدارس يمكن أن تتحول في لحظات إلى مواقع للدمار، وتبقى الصور القادمة من المدارس المدمرة والأحياء السكنية المتضررة تذكيرا بأن الكلفة الإنسانية للحروب تقاس أولا بحياة المدنيين.

فبين الأرقام المتضاربة للضحايا والبيانات العسكرية المتبادلة، تبقى قصص الأطفال الذين قتلوا في فصولهم الدراسية والعائلات التي فقدت منازلها تحت القصف شاهدة على الثمن الحقيقي للحرب.