الفوسفات التونسي: ثروة تدفع ضريبتها رئة الجنوب وأجساد المواطنين
عابر – تونس

تتجدد في كل عام مطالبات سكان منطقة قابس جنوبي تونس بتفكيك وحدات تحويل الفوسفات الملوثة التابعة للمجمع الكيميائي الذي تسبب بارتفاع معدلات التلوث بفعل الغازات وأطنان من النفايات السامة الناتجة عن مادة “الفوسفوجيبس”، مخلفا أضرار بيئية جمة على كافة مناحي الحياة لأكثر من خمسين عام من الإنتاج، طال هذا التلوث بحر المدينة وتربتها وحيواناتها البحرية التي انقرض معظمها كما أثر سلبا على صحة المواطنين بالمدينة، حسب دراسات عديدة.
وصنفت تونس، قبل 2011، إحدى أكبر منتجي ومصدري معادن الفوسفات في العالم ويعود إنتاج الفوسفات أساسا وحصريا لمراكز الإنتاج بمناجم محافظة قفصة (جنوب غرب)، فيما يتم تحويله بوحدات التحويل بالمجمع الكيميائي في محافظة قابس (جنوب شرق)، وكان القطاع دائما مصدرا مهما للنقد الأجنبي وداعما كبيرا لاقتصاد البلاد لارتفاع معدلات العائدات المالية من إجمالي صادرات تونس.
ووفق تقديرات خطة الدولة، سيزيد معدل الإنتاج السنوي للفوسفات خلال الفترة الممتدة ما بين 2025 و2028 بمعدل 1.5 مليون طن سنويًا، متبوعا بتجديد آليات الاستخراج والنقل نحو مصانع التحويل، إضافة إلى الشروع في استغلال منجم فوسفات جديد لتعزير إنتاجية القطاع وهذا يطرح تساؤل كبير من سيدفع ضريبة الزيادة بالإنتاج وما سينتج عنها؟
وقررت الحكومة في 29 حزيران 2017، بعد دراسة ملف التلوث البحري من نفايات “الفوسفوجيبس” في خليج قابس، تفكيك الوحدات المرتبطة بإفراز تلك المادة، وإحداث وحدات صناعية جديدة تحترم المعايير الوطنية والدولية، وتنفذه بعيدا عن التجمعات السكنية والموارد المائية وتشترط وجود طبقات جيولوجية عازلة، إلا أن هذه القرارات لم ترى النور لغاية اللحظة!
أجنة مشوهة .. وعمر قصير
“ولدي كان أضعف من أنه يواجه هواء قابس الملوّث” جملة لخصت ما عاشته رحاب القماطي، من محافظة قابس بالجنوب التونسي، بعد خسارتها لابنها ذي الثلاث سنوات ونصف، وقالت “في الشهر السادس من حملي، علمت بتشوه جنيني من الأطباء، فقال لي طبيبي حينها “جنينك مشوه” كانت جملة قصيرة لكنها كافية لتهد جبالا”.
تواصل رحاب بألم ” عشت خوفا كبيرا طيلة فترة حملي وبعد إتمام التحاليل والفحوصات الطبية، صارحني الأطباء أن من بين الأسباب المحتملة لتشوه جنيني تلوث هواء مدينتي قابس، حينها شعرت أن بلادي قتلت صغيري وقتلت معه أحلامي وفرحتي، وبعد ولادتي حاولت، إلا أن جسده الصغير لم يعد قادرا على التحمل وسكت قلبه وسكتت معه الحياة”.

أجساد أهالي “قابس” أنهكت…
وفي سبتمبر 2025، شهدت محافظة قابس، حالات إغماء واختناق وصعوبات في التنفس في صفوف عشرات التلاميذ بمدينتي “غنوش” و”شاطئ السلام”، بسبب الغازات المنبعثة من المجمع الكيميائي التونسي، حيث تداول نشطاء بمواقع التواصل الاجتماعي، مقاطع فيديو تظهر تدخل وحدات الحماية المدنية وسيارات الإسعاف لنقل عدد من التلاميذ للمستشفى.

تلوث يشمل كل شيء!
وأوضح الدكتور أيمن بالطيب أستاذ في الطب النووي وفيزياء الأحياء في كلية الطب بسوسة، أن “كميات المواد الخطرة الملقاة في بحر مدينة قابس تقدر ما بين 180 إلى 500 مليون طن على مر السنين (حسب الدراسات)، وبالتالي فان آثارها خطيرة جدا على الهواء والبحر ومن ثم الإنسان.
وأكد بالطيب في تدوينة نشرها عبر صفحته على فيسبوك، أن جزءا من تلك الكمية تمر للمياه الجوفية (من آبار وبالتالي للتربة) فيما يهدد جزء منها عددا من الحيوانات البحرية، وجزء آخر يتحول لغاز يتنفسه سكان المدينة”.
وبين بالطيب أن أخطر أنواع الأشعة التي يتعرض لها الإنسان يكون عادة مصدرها مواد مشعة مرت عبر الأكل أو الشراب أو الهواء، ما يؤثر على عظام المتعرض لها، وتسبب أمراضا سرطانية خطيرة، كسرطانات الدم والعظام.

قبول ما تم رفضه.. واغتيال البيئة
الرئيس التونسي قيس سعيّد قال في تصريح، أنه “تم اغتيال البيئة والقضاء عليها بمدينة قابس منذ سنوات طويلة إذ تمّ القضاء على البيئة تمامًا وتفشت أمراض السرطان وهشاشة العظام، وما حصل مؤخرًا من حالات تسمم واختناق، كان نتيجة هذه الاختيارات”، مؤكدا أنّ “بعض الدول الإفريقية رفضت ما قبلته تونس بإحداث المجمع الكيميائي بقابس”.

أثار سكب مادة الفوسفوجيسبس السامة

حيوانات بحرية تضررت من فواضل الفوسفات على شواطئ قابس
غضب شعبي ومسيرات حاشدة
بالتزامن مع هذه الأحداث، انطلقت مسيرات حاشدة شارك فيها آلاف المواطنين في محافظة قابس، للمطالبة بالتنفيذ العاجل لقرار تفكيك الوحدات السامة بالمجمع، حملت شعارات “قابس تستغيث” و “الشعب يريد تفكيك الوحدات”، إلا أنها فضت بالقوة من قوات الأمن التونسي.
كما نفّذ عمال المنطقة الصناعية في قابس بداية أكتوبر الحالي، وقفات احتجاجية تعبيرا عن استيائهم من الوضع البيئي، بدعوة من النقابة العمالية، والتي عبرت بدورها عن “قلقها البالغ من تدهور الوضع البيئي والصحي الذي يهدد حياة الإنسان.

مطالب للتدخل العاجل
من جهتها، طالبت حملة “أوقفوا التلوث” بـ”فتح تحقيق جدي وعاجل في ملابسات التسربات الغازية السامة الجديدة، والتي سببت حالات الإغماء وفقدان الوعي للتلاميذ، ودعت لمحاسبة المسؤولين عنه”، مؤكدة “ضرورة متابعة الوضعيات الصحية للمواطنين المتضررين في قابس، لتفادي مضاعفات صحية أخطر بعد تعرضهم للاختناق”.
وتابعت “رغم الزخم الشعبي غير المسبوق، والمسيرة الشعبية إلا أنّ الوحدات الصناعية الملوِّثة تواصل عملها رغم الضريبة التي يدفعها السكان من صحة أبنائهم والمخاطر الجسيمة المحيطة بهم، والاستهتار بأرواحهم”، مؤكدة على أن مطلب التفكيك العاجل لهذه الوحدات لم يعد شعارا، بل ضرورة إنسانية عاجلة لحماية أرواح السكان”.
وأكدت عدم مشاركتها في أي جلسات تفاوض ما دامت الوحدات الملوِّثة مستمرة في عملها، رغم ثبوت إخلالاتها في التقارير والمعاينات الرسمية، ومن بينها التقرير المنشور في موقع المجمع نفسه”.

مضاعفات غير مسبوقة
فيما أكد المجلس المحلي بمدينة قابس، أن أغلب المصابين، يعانون من صعوبة في المشي وارتخاء في الأطراف السفلية، “وهي مضاعفات غير مسبوقة مقارنة بالحوادث السابقة التي اقتصرت على ضيق التنفس فقط”.
ودعا المجلس، إلى فتح بحث جدي وعاجل لتحديد طبيعة هذا الغاز ومحاسبة المتسببين كما حذر من أن الوحدات الصناعية الملوثة “لم تعد مجرد مصدر غازات خانقة، بل أصبحت خطرًا مباشرًا على الحياة قد يقود من حالات اختناق إلى الشلل أو حتى الموت.”
وأكد المجلس في بيانه على ضرورة إيقاف هذه الوحدات فورا والشروع في برنامج شامل لتأهيل وصيانة الوحدات الكيميائية التي أصبحت مهدداً وجوديا للسكان، محملا المجمع الكيميائي المسؤولية الكاملة.

جامعة النفط على الخط
الجامعة العامة للنفط والمواد الكيميائية قالت إن المجمع الكيميائي التونسي يمثل “مكسبا وطنيا واستراتيجيا”، نظرا لدوره الحيوي في دعم الأمن الغذائي الوطني والعالمي، وتوفيره لآلاف مواطن الشغل المباشرة وغير المباشرة، مع ضرورة وضع خطة وطنية لمعالجة مادة “الفوسفوجيبس” وتثمينها بطرق تكنولوجية حديثة، إلى جانب تعزيز الشفافية في نشر المعطيات البيئية والمهنية لضمان الثقة بين المؤسسة والمجتمع المدني”.

“مستشفى سرطان” بقابس..
وزير الصحة التونسي مصطفى الفرجاني قال خلال جلسة حوارية بالبرلمان التونسي عن الأوضاع التنموية البيئية بمحافظة قابس، أن الوزارة تعمل على إنشاء مركز للأمراض السرطانية ستنطلق أشغاله بداية السنة القادمة.
فيما أشار وزير التجهيز صالح الزواري، إلى أنّه تم تحديد الحلول القانونية والعملية لتفكيك وحدات المجمع الكيميائي بما في ذلك إمكانية الاستعانة بالشركات الصينية لإنجاز العمل بوقت قياسي.

