الضحايا الصامتة: كيف أصبح العنف ضد الحيوانات انعكاسًا لأزمات المجتمع العربي

عابر

في شوارع عدد من المدن العربية، كما على شاشات الهواتف، تتكرر مشاهد تعنيف حيوانات بلا حول ولا قوة. قطة تُضرَب، كلب يُجرّ، أو طائر يُستهدف، في وقائع لم تعد نادرة كما كانت، بل باتت جزءًا من مشهد يومي يعكس اتساع دائرة العنف وتطبيع القسوة داخل المجتمع.

ويرى مختصون أن تعنيف الحيوان لا ينفصل عن السياق الإنساني العام، إذ يشير إلى خلل أعمق في منظومة القيم والحماية، ويتناقض مع تعاليم دينية وثقافية طالما دعت إلى الرحمة. ومع غياب قوانين رادعة أو ضعف تطبيقها، يجد المعتدون مساحة للإفلات من المساءلة، فيما تبقى الحيوانات الحلقة الأضعف.

في هذا الإطار، تتابع منصة «عابر» هذا الملف في عدد من الدول العربية، مسلطة الضوء على الأسباب التي تسهم في انتشار هذه الظاهرة، ومتقصية أثر غياب الردع القانوني في تكريسها، بوصفها قضية تمس إنسانية المجتمع بقدر ما تمس حق الحيوان في الحماية.

ضحية صامتة: قُطع ذيلها وأُطفئت عينها

على أرضية عيادته المتواضعة في مدينة النجف، ينحني أبو علي، الطبيب البيطري الذي يمتلك خبرة تتجاوز أربعة عقود، فوق جسد كلبة مشردة أُنهكتها الاعتداءات. عينها اليسرى مطفأة، ونباحها بالكاد يُسمع، فيما يشي جسدها النحيل بمعركة خاضتها وحدها في أحد الشوارع الرئيسية.

يقول أبو علي إنه آواها بعدما وجدها في حالة نزاع مع الألم. وبحسب خبرته، فإن إصابة عينها لم تكن حادثًا عابرًا. «فقست بالحجارة، هذه عادة أطفال المنطقة»، يقول، قبل أن يضيف بنبرة أكثر حدة: «أما ذيلها المقطوع، فأرجّح أنه نتيجة اعتداء من شخص بالغ».

وأثناء محاولته تضميد الجروح المتناثرة على جسدها، يتمتم الطبيب وكأنه يخاطب نفسه: «رحمتك يا رب، غضبك قد أصابنا». يمرر يده على رأس الكلبة بحنان واضح، قبل أن يلحظ تفصيلاً آخر يزيد من قلقه: «لا تستطيع أن تلغ في الإناء… يبدو أن الحجارة أصابت فمها أيضًا».

وفجأة، ينتقل أبو علي من الهدوء إلى الغضب، وكأنه يتحدث نيابة عنها: «أنا أتكلم بلسانها الآن. رغم إعطائها المهدئات، لا تتوقف عن الأنين بسبب الضربات والكدمات».

ويقول أبو علي إن معالجة الحيوانات المعنّفة ومشاهدة إصاباتها باتت أمرًا شبه يومي في عيادته، في مشهد لم يعد يفاجئه بقدر ما يثير استغرابه من غياب الرحمة وانفلات الوازع الأخلاقي. ويضيف أن هذه الحيوانات تبقى «ضحايا صامتة»، لا حول لها ولا قوة، في ظل غياب رادع حقيقي يحميها من العنف.

القانون العراقي: أضرار لا حماية

تكشف المنظومة القانونية في العراق عن قصور واضح في حماية الحيوان، وفق القانونية رنا محمد، في ظل غياب قانون مستقل لرفاهية الحيوان، والاعتماد على نصوص قديمة في قانون العقوبات لعام 1969. وتوضح أن القانون لا يجرّم الإساءة للحيوان بوصفها فعل قسوة بحد ذاته، بل يتعامل معها كإتلاف لممتلكات الغير، ما يحصر الحماية بالحيوانات المملوكة ذات القيمة الاقتصادية، ويترك الحيوانات الضالة بلا أي حماية قانونية فعلية.

وتضيف أن العقوبات، حتى في حالات العنف ضد الحيوانات المملوكة، غالبًا ما تقتصر على غرامات محدودة أو أحكام قصيرة، لا توفر ردعًا حقيقيًا. وتشير إلى أن تحرك السلطات غالبًا ما يأتي استجابة لضغط الرأي العام بعد انتشار مقاطع صادمة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو ضمن حملات مكافحة «المحتوى الهابط»، أكثر مما يكون نتيجة تطبيق منهجي للقانون.

وتؤكد رنا محمد أن هذا الواقع لا يقتصر على العراق وحده، بل يعكس أزمة أوسع في عدد من الدول العربية، حيث تتفشى القسوة ضد الحيوانات في ظل غياب تشريعات رادعة وحماية قانونية واضحة.

حملات إعدام الكلاب بغطاء رسمي في العراق

في مارس 2023، أثارت حادثة قتل الكلبتين لونا ولوسي داخل حرمة كلية الطب البيطري في بغداد صدمة واسعة، بعدما أقدم منتسبون امنيون ، من وزارة الداخلية ، على القضاء عليهما بحجة «القضاء على الكلاب السائبة». وأخذت الحادثة صدى كبيرًا بعد احتجاجات طلابية وانتشار مقاطع فيديو تظهر الجراء، لكنها لم تؤدِّ إلى وقف عمليات القتل الميداني التي تنفذها الجهات الرسمية.

واستمرت الحملات في عدة مدن عراقية خلال الأعوام التالية، غالبًا بغطاء رسمي يُسوَّق على أنه استجابة لمخاوف أمنية أو صحية. ففي كركوك، أطلقت السلطات المحلية في يناير 2025 حملة بعد وفاة طفل نتيجة هجوم كلاب، حيث شاركت الشرطة وبلدية المدينة وأجهزة الأمن في إطلاق النار على الكلاب في الشوارع، ما أثار انتقادات واسعة من ناشطي حقوق الحيوان.

وفي الموصل، نفذت السلطات في 27 أبريل 2025 حملة تعتمد على تسميم الكلاب الضالة، بعد شكاوى السكان من هجمات مزعومة، في حين لا توجد مأوى رسمي للحيوانات في المدينة. كذلك، أبلغت الجهات الرسمية في ذي قار (ناصرية) في يونيو 2024 عن تسميم أكثر من 600 كلب ضال عقب هجمات مزعومة على أطفال، كحل سريع لمشكلة الكلاب في الشوارع.

تُظهر هذه الحملات كيف أن غياب تشريعات واضحة لحماية الحيوان يسمح للجهات المحلية باستخدام القوة أو السم كـ«أدوات قانونية» لإدارة مشكلة الكلاب الضالة، بدلًا من تبني حلول إنسانية مستدامة، ما يعكس قصورًا تشريعيًا وسوء إدارة في التعامل مع هذه القضية الإنسانية.

مصر على خطى العراق: لا رحمة للحيوان حتى بعد انتهاء خدمته

لا يختلف واقع الحيوانات في صعيد مصر كثيرًا عن أوضاعها في دول عربية أخرى، حيث تشير طالبة الدكتوراه في الطب البيطري أمينة علي إلى أن الإساءة لا تقتصر على الكلاب والقطط الضالة، بل تمتد إلى الحيوانات العاملة التي تُستغل بشكل مفرط، لا سيما في الأعمال الشاقة وقطاع السياحة.

وتوضح أن الحمير والخيول والجمال تُجبر على العمل لساعات طويلة دون غذاء كافٍ أو رعاية بيطرية، وتُعامل بوصفها أدوات اقتصادية تُستنزف طاقتها حتى العجز. وتضيف أن المعاناة لا تنتهي عند هذا الحد، إذ يتم التخلي عن هذه الحيوانات فور عجزها عن العمل، لتتحول إلى ضالة تواجه الجوع والمرض في الشوارع.

وبحسب أمينة علي، تتعرض هذه الحيوانات لاحقًا لملاحقات من بعض المارة بدافع الخوف أو القلق من انتشارها، قبل أن تنتهي حياتها في الأماكن العامة دون أي تدخل صحي أو مؤسسي، في مشهد يعكس غيابًا للمعالجة الإنسانية والبيئية معًا.

وترى الباحثة أن هذه الوقائع تكشف قصورًا واضحًا في دور الجهات الرقابية، داعية إلى تفعيل قوانين الرفق بالحيوان وتشديد العقوبات، لوقف ما تصفه بدائرة الاستغلال والإهمال المستمرة.

مشاهد متكررة في الأردن

بين الحين والآخر، تشهد منصات التواصل الاجتماعي في الأردن تداول مقاطع صادمة توثق حالات تعنيف للحيوانات، تتراوح بين الضرب المباشر والإساءة المنهجية، ما يعكس استمرار العنف ضد الحيوان بوصفه تحديًا مجتمعيًا وأمنيًا في آن واحد.

وفي هذا السياق، يوضح رئيس جمعية التنمية المستدامة للإنسان والبيئة، الدكتور أحمد الشريدة، أن تزايد شراسة الكلاب الضالة تجاه المارة لا يعود إلى طبيعتها الفطرية، بل هو في كثير من الأحيان سلوك مكتسب ناتج عن بيئة معادية. ويشير إلى أن هذه الكلاب نشأت في ظروف يسودها الطرد والإيذاء المستمر، ما يدفعها إلى تبني سلوك دفاعي قد يبدو عدوانيًا تجاه البشر.

ويؤكد الشريدة أن الجانب الأكثر خطورة في هذه الأزمة يرتبط بضعف المسؤولية المجتمعية، موضحًا أن نسبة كبيرة من الكلاب الموجودة في الشوارع لم تكن ضالة في الأصل، بل كانت حيوانات منزلية تخلّى عنها أصحابها عند مرضها أو عند فقدان الرغبة في رعايتها. ويضيف أن هذا التخلي العشوائي يسهم في تضخم أعداد الحيوانات في الأماكن العامة، ويزيد من المخاطر الصحية والبيئية التي تهدد التجمعات السكانية.

ويرى مختصون أن معالجة هذه الظاهرة لا تقتصر على الحلول الأمنية، بل تتطلب بالدرجة الأولى مواجهة ثقافة التخلي، وتعزيز الوعي والمسؤولية المجتمعية تجاه الحيوانات، باعتبار ذلك مدخلًا أساسيًا للحد من العنف المتبادل بين الإنسان والحيوان.

محاولات في لبنان: بين القسوة والأمل

في لبنان، أطلقت المدافعة البارزة عن حقوق الحيوان غنى نحفاوي نداءً حادًا موجّهًا إلى المجتمعات العربية كافة، يدمج بين الوازع القانوني والضابط الأخلاقي والديني، مستشهدة بالحديث الشريف: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». وأكدت نحفاوي أن التعامل مع الحيوانات في المنطقة قد تجاوز مرحلة الأزمة ليصبح وصمة عار إنسانية.

وتوضح نحفاوي أن الإساءة لا تقتصر على الحيوانات الأليفة، بل تمتد لتشمل الطيور المهاجرة التي تُصطاد للتسلية، والكائنات البحرية التي تتعرض للصيد الجائر بطرق ممنوعة دوليًا مثل الصيد بالكهرباء، ما يؤدي إلى تدمير النظام البيئي وتشويه الحياة البحرية.

ولم تغفل نحفاوي تأثير التربية الأسرية، مشيرة إلى أن بعض العادات خلال المناسبات والأعياد تُغرس القسوة في نفوس الأطفال، كما عبرت عن استنكارها للأمهات اللاتي يفتخرن بتصوير أبنائهن وهم يمارسون أفعالًا عنيفة على الحيوانات الصغيرة، معتبرة أن ذلك مؤشر على خلل عميق في القيم المجتمعية.

وتكشف المدافعة عن واقع مروع آخر، إذ رصدت حالات لإصابات قاتلة للحيوانات، بما في ذلك إطلاق الرصاص على أجسادها. ومع ذلك، تؤكد نحفاوي أن ومضات الأمل لا تزال موجودة، مستندة إلى جهود المجتمع المدني والمبادرات الفردية التي تسعى لإعادة الوعي بالرحمة وحماية الكائنات الضعيفة.

مطالبات اللجوء للأعراف لتعويض قصور القانون

في ظل ضعف تطبيق القانون الرسمي وتراخي العقوبات، ظهرت أصوات تدعو إلى تفعيل أطر اجتماعية غير رسمية لضمان حماية الحيوانات، من خلال ما يُعرف بـ«التحكيم العشائري» أو الجلسات الاجتماعية في بعض المجتمعات، لا سيما في الأردن والعراق.

ويؤكد محمد النايف من الأردن أن هذه الخطوة لا تهدف لاستبدال القانون، بل لتعزيز المسؤولية المجتمعية والضغط على المسيئين عبر منظومة الأعراف والتقاليد، حيث يمكن فرض عقوبات اجتماعية مثل المعاتبة والمساءلة داخل العائلة، وهو ما أظهر نتائج أسرع من الإجراءات القانونية الرسمية.

في العراق، لجأت الناشطة الآء الحميري إلى النفوذ الاجتماعي بعد تعثر تطبيق القانون الرسمي، فاجتمعت بوجهاء عشائر في بغداد لمناقشة حماية الحيوانات ومحاسبة من يسيء إليها. وفي إحدى الحالات، طالبت بمحاكمة عشائرية لشخص هدد بقتل جميع القطط في منطقته، بهدف ردعه عن ارتكاب الفعل.

وتوضح الحميري أن الدفاع عن الحيوان ليس رفاهية، بل جزء أساسي من التوازن البيئي والأخلاقي للمجتمع. وتشدد على أن اللجوء إلى الأعراف يمكن أن يفرض رادعًا اجتماعيًا فوريًا في مواجهة إساءة الحيوانات، خصوصًا في المجتمعات التي يعاني فيها القانون من ضعف التطبيق أو التجاهل.

التشريعات العربية عاجزة عن الردع

تشير التحليلات القانونية إلى أن أغلب القوانين العربية لا تزال تعتبر الإساءة للحيوان جنحة بسيطة أو إتلافًا للملكية، وليست جريمة أخلاقية مستقلة، ما يؤدي إلى تصنيف قانوني ضعيف وعقوبات زهيدة غالبًا لا تتجاوز الغرامات البسيطة أو فترات الحبس القصيرة، دون توفير رادع حقيقي. كما تفقد الغرامات قيمتها في دول الأزمات الاقتصادية، بينما يبقى ضعف التنفيذ وغياب الهياكل المتخصصة أبرز التحديات.

من جانبه، يؤكد الطبيب البيطري عمر الجزائري أن الحلول القاسية مثل التسميم الجماعي أو القتل بالرصاص لا تساهم إلا في تفاقم المشاكل البيئية والصحية، وأنه يجب الانتقال إلى استراتيجيات مستدامة وإنسانية. وتشمل هذه الاستراتيجيات إنشاء مراكز إيواء نظامية تخضع لإشراف بيطري، مع برامج التعقيم والتحصين ضد الأمراض، إضافة إلى تبني نماذج رعاية مجتمعية تشرك المدارس والمؤسسات المحلية، كما هو الحال في تركيا، لتعزيز الوعي والرحمة منذ الصغر وضمان توازن مستدام يحمي الإنسان ويصون حقوق الحيوان.

التعاطف الممسوخ: العنف ضد الحيوان انعكاس للعنف ضد الإنسان

على الرغم من أن الدفاع عن حقوق الحيوان يُفترض أن يكون بديهيًا، غالبًا ما يُقابل بالسخرية والاستهزاء في المجتمعات العربية، ما يعكس ضعف الوعي بالقيم الإنسانية الأساسية. وتشير الوقائع إلى أن العنف الذي يمارسه الإنسان تجاه الحيوانات هو انعكاس للعنف الذي يعانيه هو نفسه، سواء من السلطات الحاكمة أو الجماعات المسلحة أو النزاعات والحروب المستمرة، في ظل ألم وواقع اجتماعي مرير.

الأمر الأكثر خطورة يتعلق بالأطفال الذين يشهدون أو يمارسون العنف ضد الحيوانات، إذ يشير الخبراء إلى أن هذه الممارسات المبكرة تشكل مؤشراً لانحرافات سلوكية مستقبلية قد تتطور لاحقًا إلى عنف موجه ضد الإنسان والمجتمع نفسه. ومن هنا، يؤكد المختصون أن عدم التدخل اليوم لحماية الحيوانات من الإساءة لا يمثل مجرد فشل أخلاقي، بل بداية محتملة لدورة عنف مستمرة تهدد سلامة المجتمعات في المستقبل.