الزواج في زمن الحرب.. فتيات غزة ضحايا للواقع المأساوي

عابر- فلسطين
إسراء الأعرج
أعادت الحرب في غزة تشكيل دوافع الزواج وأنماطه، بعدما حول النزوح والفقر وفقدان الأمان هذا القرار من ارتباط يقوم على الاختيار والاستقرار إلى وسيلة للهروب من واقع قاس.
ولا يقتصر هذا الزواج على الفتيات الغزيات الراشدات وإنما يمتد ليشمل القاصرات منهن، بعد أن طغى مشهد الفقر على الأسر التي باتت عاجزة عن تأمين أبسط المستلزمات لهن مثل المأكل والمشرب والمأوى، واضطرت لتزويجهن فباتوا ضحايا الحرب والظروف معًا.
زواج يبتلع الطفولة
“لم يعد الزواج في غزة كما كان سابقًا، أصبح وسيلة نهرب فيها من واقع أصعب، حتى لو كنا ذاهبين من فقر لفقر آخر”، تسرد رهام السرسك (16 عاما) والتي تزوجت من ابن عمها الذي يكبرها بأربع سنوات في حي الشجاعية في مدينة غزة.
وتضيف لـ”عابر”: “حتّى ونحن أطفال فُرض علينا أن نكون كالكبار، الحرب لم تترك لنا خيارات كثيرة، وبات الزواج بالنسبة لنا هو المتاح”.
تصف السرسك حياتها الزوجية التي بدأت في خيمة نزوح تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار، وتقول: “حُرمت من الأمان وإكمال التعليم ومن كل الأحلام التي سعيت لأجلها، وانتهى بي الأمر بهذا القرار الذي اتخذته أسرتي نيابة عني، للتخفيف من عبء نزوحي معهم، ولأن لا خيارات متاحة لدي سوى محاولة النجاح بالزواج وانجاب الأطفال بعمر صغير”.
400 تصريح
قبل الحرب، تراجع زواج القاصرات في فلسطين من 26 في المئة عام 2009 إلى 11 في المئة عام 2022. لكن الحرب أعادت رفع المؤشرات، إذ أظهر مسح لصندوق الأمم المتحدة للسكان عام 2024 تزايد الضغوط على الأسر لتزويج الفتيات القاصرات.
وفي عام 2025، سجلت المحاكم الطارئة منح تصاريح زواج لما لا يقل عن 400 فتاة تتراوح أعمارهن بين 14 و16 عاما خلال أربعة أشهر فقط، فيما شكلت المراهقات نحو 10 في المئة من حالات الحمل المسجلة حديثًا في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه. ورغم ذلك، يرجح أن تكون الأرقام الفعلية أعلى بسبب غياب التسجيل الرسمي وتعطل أنظمة التوثيق.

الزواج كخيار للخروج
في الوقت الذي تتزايد فيه المؤشرات على ارتفاع زواج القاصرات تحت ضغط الأوضاع المعيشية، تنظر شابات أخريات إلى الزواج من رجال يقيمون خارج القطاع باعتباره فرصة أخيرة للخروج، بينما تجد زوجات تزوجن بالفعل أنفسهن عالقات داخل غزة، بسبب تعقيدات لمّ الشمل وإغلاق المعابر.
حين وصلها عرض الزواج، لم تتوقف ليلى (27 عاما) من دير البلح عند تفاصيل تتعلق بالرجل (العريس) أو شكل الحياة معه، بقدر ما رأت فيه خيارًا محتملًا للخروج من واقع الحرب في غزة.
خلال وقف إطلاق النار المؤقت على غزة في أواخر 2024، وصل العرض عبر العائلة. كانت قد اقتربت من الموافقة، بدافع وحيد تصفه بـ”النجاة”، قبل أن توقف الحرب كل شيء وتعطلت إجراءات الزواج.
تقول ليلى لـ”عابر” إن معايير الاختيار تغيرت كثيرا بعد الحرب، وأصبح مجرد وجود الشخص خارج القطاع كافيًا لاتخاذ القرار، حتى دون معرفة كافية به.
ورغم أن الزواج لم يستكمل، تشير ليلى إلى أنها ما تزال متمسكة بالأمل، في وقت يتردد فيه الطرف الآخر بسبب تعقيدات لم الشمل وما قد يرافقه من مسار غير مضمون، مختصرة الواقع: “الزواج لم يعد قرارًا عاديًا يكفي أنه قد يكون طريقًا للخروج من غزة”.
فرصة نادرة وحلم منتظر
ليلى ليست استثناء. فالحرب دفعت شابات من غزة إلى النظر للزواج من خارج القطاع كخيار للنجاة، لا كمشروع حياة منطقي ومدروس.
وسعاد (العشرينية) واحدة منهن، إذ تقول لـ”عابر”: “لم أتردد عندما تقدم ابن خالتي المقيم في الخليج بطلب الزواج مني، لم يكن حبًا بل فرصة يتمناها كثير من الناس”.
وتضيف: “شعرت أنني من المحظوظات في وقت تتمنى الكثير من الشابات الخروج من غزة بأي طريقة، وقد أتيحت لي الفرصة، لذلك وافقت على الزواج، وتم عن طريق وكيل عن العريس. شعرنا بالسعادة لأن فردًا من العائلة سيتمكن من الخروج من القطاع”.
لكن بعد عقد القران، اصطدمت سعاد بواقع أكثر تعقيدًا، فبحسب ما تقول: “كل شي تعقد، لم الشمل أصبح معركة بحد ذاتها، طلبات وإثباتات كثيرة”.

فرصة على الورق فقط
على النقيض من شابات يرين في الزواج من شخص يقيم خارج القطاع فرصة للخلاص، تعيش أحلام العجوري على أمل لم شمل تأخر سنوات.
فبعد 13 عامًا من الزواج، تسرد العجوري لـ”عابر”:بدأت الحرب ووجدت نفسي وأطفالي الثلاثة نازحين، بعدما دمرت الحرب منزلنا، فيما تحول سفر زوجها إلى اليونان قبل أربع سنوات بحثا عن حياة أفضل إلى فراق طويل تعرقله إجراءات لم الشمل.
وبين معاملات تستوجب الوصول إلى مصر وتكاليف تنسيق تفوق قدرة العائلة، اضطرت الأسرة إلى إنفاق الأموال التي ادخرها الزوج لبدء الإجراءات على تأمين احتياجات الحياة داخل غزة، تقول العجوري.
ورغم ذلك، تصف أحلام وجود زوجها في الخارج بأنه “فرصة ذهبية” لها ولأطفالها، قائلة: “لولا إغلاق المعبر والأسعار الفلكية، لكنا اجتمعنا منذ زمن”.
النساء يتحملن العبء
يرى رئيس الهيئة الدوليّة لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد”، الدكتور صلاح عبد العاطي، أن لم شمل النساء في غزة ليس ملفًا إداريًا، بل قضية حقوقية ترتبط بالحق في تكوين الأسرة وعدم التعرض للفصل القسري، كما تكفله المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
ويؤكد لـ”عابر” أن تقارير حقوقية ونسوية فلسطينية وأممية، بينها “حشد”، تظهر أن النساء يتحملن العبء الأكبر لسياسات الفصل الأسري التي فاقمتها الحرب والحصار والنزوح، إذ لا يُحرمن فقط من العيش مع أسرهن، بل يواجهن أعباءً نفسية واجتماعية واقتصادية مضاعفة، نتيجة مسؤوليات الرعاية وإدارة شؤون الأسرة في ظروف استثنائية.
وبشأن تزايد زواج الفتيات من رجال يقيمون خارج القطاع، يوضح عبد العاطي أن الحرب دفعت بعضهن إلى النظر إلى الزواج كوسيلة للنجاة أو الخروج من غزة، أكثر من كونه خيارًا لتأسيس أسرة. لكنه يحذر من أن هذا الخيار قد يقود إلى دوامة جديدة من تعقيدات لمّ الشمل واحتمالات الفصل الطويل، ما يجعل ضمان حرية التنقل ولمّ الشمل جزءًا أساسيًا من حماية حقوق النساء، وليس مجرد إجراء إداري.

غياب الأرقام الرسمية
وفيما يتعلق بالأرقام، يؤكد عبد العاطي لـ”عابر” غياب إحصاءات رسمية توثق عدد النساء العالقات في ملفات لم الشمل أو الفتيات اللواتي يتزوجن من خارج القطاع بهدف المغادرة. ويشير إلى أن المتابعات الحقوقية والميدانية ترصد تزايد هذه الحالات خلال الحرب، إلا أن غياب قواعد البيانات يحول دون قياس حجمها الحقيقي، ما يستدعي مزيدًا من الرصد والدراسات.
لم الشمل مشروط بالإثبات
يوضح المحامي عون أبو شرار لـ”عابر” أن لم الشمل يتحقق في حالات محددة، أبرزها أن يكون أحد الزوجين حاصلاً على الجنسية أو الإقامة الدائمة أو صفة اللجوء في الدولة المضيفة، ويقدم طلبا رسميا لإعادة جمع أسرته، مع إثبات العلاقة الأسرية.
ويشير إلى أن الطلب يقدم عبر الجهات الرسمية أو محامٍ، ويدعم بوثائق مثل عقد الزواج والمراسلات والتحويلات المالية وغيرها من الأدلة التي تثبت استمرار العلاقة. وفي حال الموافقة، تصدر تأشيرة دخول، بينما يبقى الخروج من غزة أو بلد الإقامة مرتبطًا بالظروف الميدانية وفتح المعابر، ولا يدخل ضمن صلاحيات إجراءات لم الشمل.
ويضيف أن الطلبات قد ترفض عند ضعف الأدلة أو التشكيك بالعلاقة، مع إتاحة حق الاستئناف، لكن ضمن مسار قد يستغرق وقتا طويلا يختلف من حالة لأخرى.
وبحسب أبو شرار، تكون طلبات لم الشمل قبل الحرب أسهل نسبيا لوجود أدلة أوضح على الحياة الزوجية، مثل الإقامة المشتركة أو إنجاب الأطفال، بينما تواجه الزيجات التي تتم خلال الحرب تدقيقا أكبر، بسبب محدودية الإثباتات وغياب الحياة المشتركة الفعلية، ما يجعل الإجراءات أكثر تعقيدًا وتشددا.
