التواطؤ وانعدام الحماية .. اغتصاب الطفلات في السودان شاهد على حرب أكثر بشاعة

عابر – السودان

 حنان الطيب

“اغتصبت أمام والدتها على يد مجموعة كنوع من العقاب الجماعي”، هكذا تمتحن إرادة الأمهات والطفلات وتختبر ثقتهن، وتكسر نفوسهن في السودان، فلم تستطع والدة الطفلة خديجة (اسم مستعار) ذات ال9 أعوام حماية ابنتها بالهروب والنزوح معها من دارفور خوفا من الموت، إلا وقد لاحقتها يد المسلحين واستباحت حرمتها وحرمة طفولتها واغتصبوها أمام أعين والدتها التي حاولت لاحقا الانتحار.

خديجة تعيش الآن حالة من الانهيار النفسي، وترفض الذهاب للمدرسة بسبب قسوة ما عاشت خوفا من أن يتكرر ولشعورها هي وأمها بـ”العار” الذي لم يكن لطفولتها ذنبا به، ولكن هذه الجريمة البشعة تحولت إلى  وصمة اجتماعية في سجل حياتها، مخبأ دون ابلاغ.

منذ اندلاع الحرب في السودان في عام 2023، لم تتوقف المأساة عند حدود القتل والنزوح، بل امتدت إلى جرائم أكثر وحشية تمس الفئات الأكثر ضعفا وهشاشة وهم النساء والأطفال، ففي مناطق النزاع السودانية حيث تعتبر أكبر مساحة للانتهاك غير المعلن، تواجه الفتيات الصغيرات خطر الاغتصاب والعنف الجنسي على يد المسلحين، في انتهاكات متكررة تكشف الوجه الأكثر قسوة للحرب، حيث تتحول الطفولة إلى ضحية مباشرة للفوضى والسلاح وانعدام الحماية.

عادت محطمة!

نادية حسن (اسم مستعار) البالغة من العمر عشرة سنوات شهدت ذات المعاناة فبعدما خرجت من خيمة النزوح بشرق النيل لتلعب عادت محطمة وصامتة، وتنزف، وهذا ما بين لوالدتها أن ابنتها تعرضت لاغتصاب بعيدا عن الأعين.

نادية تعاني يوميا وترتجف كل ليلة قبل أن تغفو، لم تعد تقترب من أحد، وكأن طفولتها سلبت منها في لحظة واحدة، وشهادة والدتها المقتضبة كانت كافية لتوضيح حجم المأساة الاتي عشنها سويا دون معرفة أحد، إذ لم يتوفر أي دعم طبي أو نفسي أو حماية قانونية ، ولم يسجل بلاغ رسمي خوفا من الوصمة الاجتماعية وفقدان المساعدات القليلة.

نادية ليست وحدها فالكثير من الطفلات بشهادات متطوعين داخل مراكز الإغاثة يختفين لساعات ثم يكتشف أهاليهن تعرضن بناتهن للاغتصاب بسبب الحالة التي يعدن بها، من النزف والصدمة والخوف من الحديث، ومن ثم دخولهن حالة انهيار نفسي وهستيريا قد تنتهي بالانتحار.

وهذه الإفادات تعد مؤشرا واضحا على انهيار منظومة الحماية منذ اندلاع الحرب في السودان التى دخلت عامها الثالث ، فتفككت مؤسسات الدولة، وغابت آليات الحماية، وتحولت حياة الأطفال إلى سلسلة من المخاطر اليومية بدءا من النزوح الجماعي، وانهيار النظام القضائي، غياب الرقابة، وحتى انتشار السلاح، وكلها عوامل جعلت الأطفال – خاصة الطفلات – أهدافا سهلة للعنف الجنسي.

مراكز الإغاثة متواطئة

“تعرضت ابنتي للاغتصاب داخل مركز توزيع إغاثي بأحد الولايات على يد أحد المتطوعين المحليين، وعندما رفعنا شكوى، طردنا من المركز، بحجة تشوية صورة العاملين وحرمنا من المساعدة والجاني مازال يعمل!”بهذه الكلماتشرحت والده الطفلة سهى حسن11 عام نتيجة ما يحصل في حال الحديث عن اغتصاب بناتهن، ف إلى جانب الصمة المجتمعية تعاقب الأسرة بالحرمان من المساعدة أيضا.

وحول ذلك يؤكد أحد العاملين في وحدة الدعم النفسي أن “الطفلة سهى كانت في حالة انهيار، رفضت الكلام، رفضت الأكل، عندما حاولنا التدخل، الأسرة طردت، ولم نستطيع  إيقاف الجاني لعدم وجود  جهة  تمنحنا الصلاحية.”

قدرات محدودة ولا حماية

عدد من الناشطين في مجال حقوق الطفل قالوا أنه بالرغم وجود وحدة العنف ضد المرأة والطفل، إلا أن قدراتها محدودة، ولا توجد مراكز حماية كافية للأطفال الناجين، إلى جانب قلة المحاكمات، وغياب العدالة، وتكرار الإفلات من العقاب، كلها عوامل تضعف الثقة في النظام، وضعف التنسيق بين الجهات الرسمية، كما لا توجد آلية وطنية موحدة للتعامل مع هذه الجرائم. كثير من الحالات تغلق دون تحقيق.

التصريحات الرسمية تكشف حجم الكارثة، وتؤكد اعتراف السلطات بوجود انتهاكات ممنهجة ضد الأطفال، إلا أن ذلك يثير تساؤلات خطيرة أنه إذا كانت 149 حالة قد وثقت في ولايتي الجزيرة وسنار فقط، فكم يبلغ عدد الحالات التي لم يتم توثيقها وماذا يحدث في المناطق التي يصعب الوصول إليها؟

وتشير تقارير صادرة عن UNICEF  إلى توثيق أكثر من 221 حالة اغتصاب لأطفال منذ بداية عام 2024، بينهم رضع بعمر سنة واحدة، في مناطق متفرقة من السودان، بينها الخرطوم ودارفور والنيل الأزرق، حيث وقعت معظم هذه الجرائم في سياق النزوح أو على يد جماعات مسلحة.

الوصمة الاجتماعية والتبليغ

يوضح الخبير القانوني عثمان حسن لعابر أن اغتصاب الأطفال في سياق الحرب يعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي، ويصنف كانتهاك جسيم لحقوق الإنسان، إذ أن القانون السوداني يفتقر إلى آليات حماية فعالة للأطفال في مناطق النزاع، ولا توجد تشريعات واضحة تجرم العنف الجنسي في سياق النزوح أو الاحتجاز، كما أن الوصمة المجتمعية تمنع كثيرا من الأسر من التبليغ أو المطالبة بحقوقها، ما يجعل الجريمة مزدوجة: في الفعل، وفي السكوت عنه.

وأوصى بإنشاء آلية وطنية لتوثيق العنف الجنسي ضد الأطفال، لتوفير دعم نفسي واجتماعي للضحايا وأسرهم، وتدريب القضاة والشرطة على التعامل مع قضايا الأطفال، و تعديل القوانين لتجريم العنف الجنسي في سياق النزاع، بالاضافة إلى إشراك الإعلام والمجتمع المدني في كسر الصمت، وتوثيق الجرائم.

تحديات في حماية الطفولة

من جانبها قالت الدكتورة أميرة أزهري مسؤول الحماية بالمجلس القومي لرعاية الطفولة لعابر أنه بالرغم من وضوح الأطر القانونية الدولية الإقليمية والمحلية، ما تزال حماية الطفولة تواجه عددا من التحديات أبرزها ضعف آليات إبراز القانون المحلي، غياب المساءلة في حالات الانتهاكات، هشاشة البنية المؤسسية خلال النزاعات غياب سجل وطني موحد للنزاعات والانتهاكات تقصير الآليات المعنية بجمع البيانات في الرصد أو البيانات بجانب ضعف الوعي المجتمعي بالحقوق والآليات.

وأكدت أن هذه التحديات تتطلب معالجة عاجلة فعالة عبر بناء قدرات إنفاذ القانون وتعزيز نظم المراقبة والمحاسبة، إذ أن منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 شهدت البلاد انهيارا واسعا في الهياكل الأمنية والخدمية الأمر الذي انعكس بصورة كارثية على الفئات الضعيفة في مقدمتهم الأطفال كما أدت حالات النزاع إلى تفكك الأسر وفقدان ملايين الأطفال لحماية البنية الاجتماعية التقليدية.

وأشارت أزهري إلى أن منظمة إنقاذ الطفولة 2024 بينت ارتفاع  في حوادث العنف خاصة في مناطق النزاع، مع ضعف الرصد والتوثيق بسبب انعدام الأمن وغياب الكيانات الحكومية الفاعلة.

 ولفتت إلى ما أثاره النزاع نفسيا على الأطفال وأثرت سلبا على نموه السلوكي والعقلي قالت كشفت تقارير  منظمات إنسانية عن تنامي اضطرابات ما بعد الصدمة بين الأطفال لاسيما الذين شهدوا أعمال عنف مباشرة الكوابيس المتكررة القلق المزمن صعوبة التركيز وفقدان الرغبة في اللعب أو الدراسة و فقدان الشعور بالأمان والثقة بالآخرين .

انتهاكات بشعة بحق الطفولة

فيما أكد الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة الدكتور عبد القادر أبو  لعابر على أن عدد ضحايا الاغتصاب تجاوز 500 طفلة في الخرطوم بحري، ولاية سنار التي  تقع في جنوب شرق السودان، ولايتا غرب وجنوب كردفان اللتان تقعان في وسط وغرب البلاد، وإقليم دارفور الذي يمتد في أقصى الغرب على الحدود مع تشاد وأفريقيا الوسطى .

وبين أن في هذه المناطق حدثت كل أنواع الانتهاكات الجسمية والبشعة التي صاحبتها موجات نزوح واسعة، إذ تجاوز عدد الأسر النازحة ثلاثة ملايين، بينهم ما لا يقل عن مليون ونصف طفل، من ولايات الجزيرة، سنار، الخرطوم، كردفان، ودارفور نحو الشمال والغرب والجنوب، والأطفال كانوا الضحايا الأبرز، حيث عانوا من فقدان الحماية الأسرية وضغوط اقتصادية واجتماعية قاسية، إضافة إلى تفكك المنظومة الاجتماعية.

ونوه أبو إلى أن تقارير منظمة اليونيسف تدعم هذا القلق، ففي تقريرها الأخير، وثقت 221 حالة اغتصاب لأطفال في السودان منذ بداية عام 2024، بينهم رضع بعمر سنة واحدة، و المنظمة آنذاك أكدت على أن هذه الأرقام “لا تمثل الواقع الكامل”، وأن “الوصمة المجتمعية، وانعدام الثقة في النظام القضائي، والخوف من الانتقام” تمنع كثيرا من الأسر من التبليغ، بالإضافة إلى أن معظم الحالات تحدث في سياق النزوح، أو داخل مراكز الإيواء، أو على يد جماعات مسلحة، مما يصعب عملية التوثيق والمساءلة.

وقال الفجوة بين الأرقام الرسمية وغير الرسمية، وبين الموثق والمسكوت عنه، تظهر أن اغتصاب الأطفال في السودان ليس مجرد حالات فردية، بل نمط متكرر، ممنهج، ومسكوت عنه.