احتضان مجهولي النسب والأيتام في غزة … أمل يحكي عن الوجه الآخر للحرب

عابر- إسراء الأعرج
في غزة بعد أن صنعت الحرب الإسرائيلية تاريخا من الخراب، تحول ملف الأطفال الأيتام ومجهولي النسب إلى إحدى القضايا الإنسانية والحقوقية الأكثر إلحاحا، في ظل الارتفاع الكبير في أعداد الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، وما رافق ذلك من تفكك أسري واضطراب في أنماط الرعاية والحماية.
وخلف هذه الأرقام أطفال وجدوا أنفسهم فجأة بلا سند مباشر، وهو ما فرض ضغوطا غير مسبوقة على منظومة الرعاية الاجتماعية، التي تواجه تحديات تتعلق بالاستجابة الطارئة وضمان الاستقرار الأسري وحماية حقوق الطفل، خصوصا في ظل غياب إطار وطني متكامل ينظم آليات التعامل مع حالات اليتم ولم الشمل في سياقات الطوارئ الواسعة.
وبين الركام وذكريات الحرب الصعبة، برزت قصة رامي وإيمان العروقي اللذان يعيشان في منزل صغير نزحا إليه بعد خروجهم من مدينة غزة، رفقة “جنة” الطفلة التي احتضناها بعد 23 عاما من الزواج ومحاولات متكررة للإنجاب لم تكلل بالنجاح، فهي لم تكن مجرد طفلة محتاجة، بل أملا دفع العائلة لاحتضانها دون تفكير ليعيشان معها مشاعر الأبوة والأمومة لأول مرة.
يوضح رامي لـ عابر، “فكرة التبني كانت دائما في البال، لكنها لم تنضج بسبب العادات والتقاليد والقيود الاجتماعية، فالحرب وضعت أمامنا الواقع الصعب، ودفعنا لأن نكون سندا لطفلة فقدت عائلتها بالكامل أو هكذا نظن” احتضن الزوجان الطفلة منذ عام ونصف بعد بقائها في المستشفى وحيدة، إذ عثر عليها بين ركام منزل قصف بالكامل في منطقة الوسطى بنسب مجهول، وكان من المستحيل الوصول لأي من أقاربها، لتصبح تحت رعايتهما مباشرة.
ويتابع لم تكن رحلة التبني سهلة، العادات الاجتماعية تمنع تسليم الأطفال خارج العائلة، والبحث عن أهل الطفلة كان شبه مستحيل بسبب الحرب، لكن اللهفة والرغبة في منح الحياة لطفلة كانت أقوى من كل المخاوف.
ويضيف رامي “كنا نتساءل، هل سنستطيع أن نكون حضنا دافئا لها، هل سنمنحها الحب والأمان؟”، ومع كل يوم يقضونه مع جنة، شعرت الأسرة بأن هذه الطفلة لم تعد غريبة، بل جزء من روحهم وحياتهم، فاليوم، جنة ليست مجرد رضيع محتضن، بل رمز للأبوة والأمومة التي لم تكتب لهما من قبل، وتجسيد للأمل وسط الخراب.
“أصبحت أحاول الحفاظ على حياتي من أجل جنة كل ما أفعله من أجلها يعطي لحياتي معنى”، يقول رامي، بينما تبتسم إيمان وهي تحمل الطفلة بين ذراعيها، كأنها قطعة صغيرة من الجنة وسط المدينة المدمرة.

من غرفة الطوارئ للعائلة
في مستشفى الهلال الإماراتي في غزة، جلست الدكتورة أمل أبو ختله تراقب الطفلة “ملاك”، التي بقيت أكثر من شهرين دون أن يعرف أحد نسبها أو عائلتها، وسط غرف المستشفى المكتظة وذكريات الحرب، شعرت الدكتورة، رغم كونها عزباء، بمسؤولية عاجلة تجاه هذه الطفلة، لتصبح جزءا من حياتها وعائلتها بعد شعور فطري بالأمومة.
تقول أبو ختله لـ عابر”لم تكن فكرة التبني في عقلي، خاصة أنني غير متزوجة، لكن شعور المسؤولية تحرك بداخلي، كانت ملاك محتجزة في المستشفى، وكان من الواضح أن أي تأخير قد يعرضها للخطر والأمراض، قررت أن أمنحها الرعاية والحب، وأشعر اليوم أنها جزء منا، وأن حبنا لها يظهر في كل لحظة تعاملنا معها”.
الإجراءات القانونية لم تكن سهلة، فالتبني في ظل الحرب يتطلب التنسيق مع وكيل وزارة الصحة وقرار من المحكمة، ومع ذلك، تمكنت الدكتورة وعائلتها من توفير حياة كريمة للطفلة بعيدا عن الملجأ غير الموجود أو المستشفى، وسط حضن دافئ، ملاك اليوم رمز للأمل في غزة، وذكرى حية بأن الإنسانية والحنان يمكن أن يخلقا حياة جديدة حتى في أصعب الظروف، كما تقول أبو ختله: “نشعر أننا أبطال، لأنه قدرنا نحميها ونحتويها، ونمنحها شعور بالعائلة والحب”.

أرقام وأزمة لم الشمل!
تشير بيانات وزارة التنمية الاجتماعية إلى أن عدد الأيتام المسجلين قبل الحرب بلغ نحو 14 ألف طفل، فيما ارتفع العدد خلال حرب الإبادة الجارية ليصل في آخر تحديث إلى نحو 37,923 يتيما، إضافة إلى أكثر من 7,200 طفل فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، مع قابلية الأرقام للزيادة يوميا نتيجة استمرار القصف.
وتوضح الباحثة الميدانية في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان “ديوان المظالم”- فلسطين، خديجة زهران، لـ عابر أن النزوح القسري والغارات الجوية الإسائيلية والانهيار شبه الكامل للبنية التحتية ونظم الاتصال، أدت إلى تزايد حالات انفصال الأطفال عن أسرهم، حيث يترك كثير منهم دون أي وصي مباشر، أو يجبرون على العيش مع أسر ممتدة أو غرباء غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
وتضيف زهران أنه لا توجد حتى الآن آلية وطنية موحدة أو إطار قانوني تفصيلي ينظم إجراءات لم شمل الأطفال في حالات الطوارئ، ما يترك هامشا واسعا للاجتهاد المؤسسي، ويؤدي إلى تفاوت في التطبيق وتأخير غير مبرر، حتى في الحالات التي تتوفر فيها المعلومات وتكون الروابط الأسرية مثبتة، ورغم ذلك، تشير إلى تسجيل نجاحات جزئية عبر التعاون بين وزارة التنمية الاجتماعية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة اليونيسف، وعدد من المؤسسات المحلية، من خلال برامج تتبع الروابط العائلية واستعادتها، وتوفير بدائل حماية مؤقتة للأطفال إلى حين تحقيق لم الشمل الكامل.
وتشدد زهران على أن مسؤولية حماية الأطفال ومنع تفكك الأسر لا تقع على عاتق المؤسسات المحلية وحدها، بل تمثل التزاما قانونيا مباشرا على قوة الاحتلال، وفق أحكام القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، التي تلزم دولة الاحتلال بضمان حماية المدنيين، وبشكل خاص الأطفال، وعدم تعريضهم للانفصال القسري أو الحرمان من الرعاية الأسرية، محذرة من أن آثار الانفصال واليتم لا تقتصر على المعاناة الآنية، بل تمتد إلى أضرار نفسية وسلوكية طويلة الأمد، قد تؤثر على نمو الأطفال وقدرتهم على الاندماج الاجتماعي مستقبلا، في ظل غياب برامج دعم نفسي مستدامة ومتخصصة.

معايير صارمة وواقع استثنائي
توضح هلا عطالله مسؤولة برنامج التبني في وزارة التنمية الاجتماعية بغزة، أن التبني في القطاع مشروط بعدة معايير، أبرزها ألا يزيد عمر الزوجين عن 50 عاما، وأن يكونا من أصول فلسطينية، ومر على زواجهما أكثر من ثماني سنوات دون إنجاب، مع إثبات محاولة الإنجاب عبر الحقن المجهري أو التلقيح دون نجاح.
وتابعت كما يشترط أن تكون الأسرة خالية من أمراض، وذات سجل قانوني نظيف، وتحظى بموافقة أهالي الزوجين، مع القدرة المالية على إعالة الطفل، موضحة أن الطفل المحتضن يسجل رسميا باسم يوافق عليه الأب المحتضن، ويمكن إخبار الطفل بعد سبع سنوات بطريقة تدريجية عن طريق وصوله إلى الأسرة.
من جهتها، تشير عزيزة كحلوت الناطق باسم وزارة التنمية الاجتماعية بغزة لـ عابر إلى أن جميع الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كلاهما تم احتضانهم من قبل أسرهم الممتدة، مؤكدة أنه “لا يوجد أي طفل بدون معيل حاليا”، وفي حال وجود طفل بلا معيل، تدخله الوزارة إلى مؤسسة رعاية مؤقتة لحين إيجاد أسرة حاضنة، مع متابعة مستمرة لضمان الاستقرار الأسري.
وتابعت كحلوت إلى أن الاحتضان الإجرائي يقتصر على الأطفال مجهولي الوالدين، وأن أي أسرة لا يمكنها استخراج أوراق رسمية دون الرجوع للوزارة، مع وجود نظام تحويل فعال بين الوزارة ومؤسسات المجتمع المحلي لضمان اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة فور اكتشاف أي طفل مجهول الوالدين، كما تقدم الوزارة برامج دعم نفسي واجتماعي للأطفال الذين فقدوا عائلتهم، من خلال أنشطة جماعية وبرامج متخصصة بالتعاون مع المؤسسات الأهلية، وأبرز مؤسسات الرعاية الحالية تشمل جمعية مبرة الرحمة للأطفال وقرية الأطفال SOS، مع مشروع دار رعاية مؤقتة لدى مؤسسة جزور لا يزال في مراحل التحضير.

بين الملاك والجنة حكاية
الأسماء التي اختارها رامي العروقي وزوجته، والدكتورة أمل أبو ختله لم تكن صدفة، بل حملت في طياتها معان عميقة وارتباطا روحيا بالحياة نفسها، فـ”جنة” لم يكن مجرد اسم، بل تعبير عن حلم تحقق بعد سنوات طويلة من الانتظار والفقد، ورمز للأمل والحياة الجديدة وسط الدمار، كما يصفها رامي: “جنة حياتنا “.
أما “ملاك”، فهو اسم اختارته الدكتورة أبو ختله لتصبح الطفلة رمزا للبراءة والرحمة وسط فوضى الحرب، واعترافا بالدور الذي أتاحت لها الفرصة لعبه: حماية حياة صغيرة وإعادة الأمان إلى قلب طفل لم يعرف العائلة يوماً.
