أسواق بلا سمك… صيادو الفاو يدفعون ثمن أزمة “خور عبد الله”

عابر – العراق
إسراء الأعرج
في مرسى النقعة بمدينة الفاو أقصى جنوب محافظة البصرة العراقية، لم يكن الصمت يومًا جزءًا من مشهد الصباح. المكان الذي اعتاد أن يستقبل أصوات الصيادين وحركة القوارب وصناديق السمك المتجهة إلى المزاد، بدا خاليًا خلال الأيام الماضية؛ لا قوارب تعود من البحر، ولا أسماك تفرغ في السوق، بعدما قرر الصيادون التوقف عن العمل عقب مقتل أحد الصيادين خلال حادثة في المياه الحدودية.
ولم يكن غياب الأسماك عن السوق مجرد خسارة تجارية مؤقتة، بل تعبيرًا عن خوف أعمق، إذ كان نجم عبد الله الصياد الذي قُتل، واحدا من عشرات الصيادين الذين يعتمدون على البحر كمصدر دخل رئيسي، قبل أن يتحول اسمه إلى عنوان لغضب الصيادين ومطالباتهم بالحماية والمساءلة.
وقد وقعت الحادثة في 3 تموز(يوليو) 2026، عندما احتجزت السلطات الكويتية خمسة صيادين عراقيين بعد إطلاق خفر السواحل الكويتي النار على زورقهم، وفق ما أعلنته مصادر عراقية. قدِم أربعة منهم إلى البصرة عبر منفذ سفوان الحدودي بعد الإفراج عنهم، بينهم صياد كان قد أصيب في الحادثة وخضع لعملية جراحية في الكويت، فيما وصل جثمان نجم عبد الله إلى الطب العدلي في البصرة، ليشيع لاحقا.
موقف شعبي
عقب الحادثة شهدت البصرة تحركات احتجاجية إذ نظم شيوخ عشائر ووجهاء وممثلون عن منظمات واتحادات، الجمعة 10 تموز (يوليو) 2026، وقفة احتجاجية طالبوا خلالها الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات تجاه ما وصفوه بالاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها الصيادون في المناطق البحرية الحدودية.
وخلال الوقفة، دعا مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في البصرة مهدي التميمي إلى إجراء تحقيق شفاف بشأن الحادثة، مطالبًا بحماية الصيادين وضمان سلامتهم، إضافة إلى تعويض عائلة الصياد المتوفى والمصابين، واتخاذ إجراءات من قبل الجهات العراقية المختصة لمنع تكرار حوادث مماثلة.
ليس من صلاحياتي!
أثار تصريح محافظ البصرة أسعد العيداني في اليوم التالي للوقفة، انتقادات من متابعين للملف، بعدما قال إن ملف الصيادين من اختصاص وزارة الخارجية، وإن الوزارة هي الجهة المعنية بإصدار البيان والتعامل مع القضية، مؤكدًا أن الموضوع ليس من صلاحيات المحافظة.
واعتبر منتقدون أن الحادثة طالت صيادين من أبناء البصرة، وأن تداعياتها ترتبط بشكل مباشر بسكان المحافظة ومصدر رزقهم.
بيانات حكومية
وفي سياق متصل، وجّه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يوم السبت 11 تموز (يوليو) 2026، الجهات المعنية بمتابعة ملابسات مقتل الصياد نجم عبد الله، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث. وشملت التوجيهات وزارة الخارجية ورئاسة أركان الجيش والجهات الأمنية المختصة في محافظة البصرة، مع التأكيد على ضرورة حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم.
وفي اليوم ذاته، أصدرت وزارة الخارجية العراقية بيانًا بشأن حادث إطلاق النار على زورق الصيد العراقي، قالت فيه إنها تابعت القضية منذ ورود المعلومات الأولية عنها، ونسقت مع سفارة العراق في الكويت والجهات المختصة في البلدين لمعالجة تداعياتها. وأوضحت أن وزير الخارجية فؤاد حسين أثار الحادث خلال زيارته إلى الكويت، مطالبًا بالإفراج عن الصيادين المحتجزين وتسليم جثمان الصياد المتوفى، وهو ما قالت إن الجانب الكويتي استجاب له.
وأشارت الوزارة إلى أن الجانب الكويتي عرض خلال الاجتماع تسجيلًا مرئيًا للواقعة، وقال إن الواقعة حدثت ليلًا وإن القوة الكويتية لم تتعمد إيقاع الخسائر التي أسفرت عنها.
وأكدت الخارجية العراقية استمرار متابعة التحقيقات والتنسيق مع الجهات المختصة، إلى جانب وضع آليات واضحة بين البلدين لتجنب تكرار مثل هذه الحوادث وحماية سلامة الصيادين والملاحة في خور عبد الله.
ردود أفعال
ورغم إعلان الحكومة العراقية متابعة الحادث عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية، رأى صيادون ومتابعون للملف أن الإجراءات المعلنة لم ترتقِ إلى حجم ما تعرض له الصيادون، مطالبين بموقف أكثر وضوحًا لحماية العاملين في البحر وضمان عدم تكرار حوادث مماثلة. وجاءت هذه الانتقادات في ظل استمرار المخاوف لدى الصيادين في الفاو من تكرار الاحتجاز أو التضييق أثناء عملهم في المناطق البحرية القريبة من الحدود.
إذ رأى عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أن الإجراءات الرسمية لم تكن حازمة بما يكفي، وطالبوا بتحرك أكبر لحماية الصيادين ومتابعة القضية بما يضمن حقوق الضحية وعائلته.

واعتبر أحد المعلقين أن مقتل الصياد “ليس مجرد حادث عابر، بل اختبار حقيقي لسيادة الدولة”، مطالبًا الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات رادعة لحماية مواطنيها. فيما انتقد معلق آخر أداء المسؤولين العراقيين، معتبرًا أن الموقف الرسمي لا يعكس حجم القضية، وأن استرداد الحقوق يحتاج إلى إجراءات أكثر وضوحًا.

وركزت تعليقات أخرى على الجانب القانوني، إذ طالب بعض المتابعين برفع دعاوى قضائية ومحاسبة المسؤولين عن الحادث في حال ثبوت المسؤولية، إضافة إلى التحقيق في ملابسات إطلاق النار واحتجاز الصيادين.

كما انتقد عدد من المعلقين بيان وزارة الخارجية العراقية، معتبرين أنه لم يكن كافيًا، وتساءلوا عن أسباب استمرار احتجاز الصيادين، فيما عبرت تعليقات أخرى عن رفضها لأي تبرير للحادث إذا ثبت استخدام القوة ضد صيادين، وطالبت بتوضيح كامل للملابسات.

جذور أزمة لا تنتهي
ولا يمكن فصل حادثة الصيادين عن التوترات المتراكمة في مياه خور عبد الله، المنطقة البحرية التي لطالما كانت نقطة حساسة في العلاقة بين العراق والكويت، بسبب الخلافات المرتبطة بالحدود البحرية وتنظيم حركة الملاحة والصيد فيها. فمع تغير واقع المنطقة خلال السنوات الماضية، وجد صيادو الفاو أنفسهم أمام مساحة بحرية أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها اعتبارات الأمن والحدود مع حاجتهم اليومية إلى الوصول لمناطق الصيد.
ومع تراجع فرص الصيد في المناطق القريبة من الساحل العراقي نتيجة تدهور البيئة البحرية وتراجع الثروة السمكية في شط العرب، اضطر عدد من الصيادين إلى التوجه نحو مناطق أبعد في الخليج بحثًا عن رزقهم، ما زاد احتكاكهم بالإجراءات الأمنية في المياه المتاخمة للحدود.
وبينما تؤكد السلطات في البلدين أهمية حماية الملاحة واحترام الحدود البحرية، يقول صيادو الفاو إنهم دفعوا ثمن هذا التعقيد، بعدما تحولت رحلة الصيد التي كانت مصدر رزق لعائلاتهم إلى رحلة محفوفة بالخوف من الاحتجاز أو عدم العودة.
